تحولات غير مسبوقة في بنية التجارة الدولية
على الرغم من أن مشكلات النظام التجاري العالمي تعود إلى ما قبل إدارة ترامب، إلا أن نهجه التصادمي سرّع من تآكل أسسه. فقد لجأت الصين، ثاني أكبر اقتصاد عالمي، إلى التوسع في سياسات صناعية ودعم داخلي يتجاوز أحيانًا حدود ما تسمح به قواعد منظمة التجارة. وفي المقابل، قررت الولايات المتحدة أن تسلك بدورها طريقًا منفردًا، بفرض رسوم جمركية أحادية الجانب وتجاهل آليات تسوية النزاعات.
حين تعمد أكبر قوتين اقتصاديتين إلى تجاوز القواعد الدولية، يصبح من الصعب الحفاظ على منظومة قائمة على الإجماع والالتزام. ومع ذلك، لا تزال دول صغيرة ومتوسطة ترى في منظمة التجارة مظلة توفر لها الحماية، حتى وإن كانت تلك الحماية غير مكتملة.
رغم عجز منظمة التجارة العالمية عن إنتاج اتفاقيات كبرى منذ تأسيسها عام 1995، إلا أنها ظلت ذات أهمية خاصة للدول الصغيرة. فمبدأ “الدول الأولى بالرعاية” يضمن معاملة متساوية في الرسوم الجمركية، ويمنع التمييز لصالح الكبار. كذلك، يتيح نظام تسوية النزاعات لهذه الدول مقاضاة القوى الاقتصادية الكبرى في إطار مؤسسي، حتى وإن كان التنفيذ ضعيفًا.
غير أن تجاهل الولايات المتحدة والصين لهذه القواعد يضعف من جاذبية المنظمة، ويشجع بعض الأطراف على التفكير بخيارات بديلة.
مع تعطل النظام المتعدد الأطراف، برزت أنماط بديلة من التكامل التجاري. الاتحاد الأوروبي توسع في شبكة اتفاقياته الثنائية، بينما أسست إفريقيا منطقة تجارة حرة قارية. كذلك استمر الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) بعد انسحاب واشنطن، مع انضمام بريطانيا لاحقًا.
هذا المشهد يعكس اتجاهاً متنامياً نحو التعددية الجزئية (plurilateralism)، حيث تتعاون مجموعات من الدول ذات المصالح المشتركة على وضع قواعد جديدة. هذه الصيغة قد تُستخدم ليس فقط لفتح الأسواق، بل أيضاً لتنسيق السياسات الصناعية أو فرض قيود على الصادرات والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، برزت الإمارات العربية المتحدة كنموذج مهم لدولة صغيرة نسبياً من حيث الحجم الجغرافي، لكنها مؤثرة تجارياً. فقد وقّعت الدولة سلسلة من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (سيبا) مع دول مثل الهند، إندونيسيا، وتركيا، إلى جانب دول أخرى قيد التفاوض. هذه الاتفاقيات لا تمنح الإمارات فقط فرصًا لتوسيع صادراتها غير النفطية، بل تضعها أيضًا في موقع استراتيجي كمحور للتجارة العالمية بين الشرق والغرب.
وبالمثل، تمثل سنغافورة حالة مشابهة لدولة صغيرة ذات اقتصاد منفتح اعتمدت على شبكة واسعة من الاتفاقيات الثنائية والإقليمية لتعزيز أمنها الاقتصادي وتنويع شركائها التجاريين. كلا النموذجين يبرزان كيف يمكن للدول الصغيرة، التي قد تشعر بالهشاشة في غياب نظام عالمي قوي، أن تبادر إلى بناء تحالفات تجارية ثنائية لضمان استمرارية النمو وجذب الاستثمارات.
التحولات الأميركية الأخيرة لا تقتصر على تفكيك النظام القديم، بل تفرض أعباء مباشرة على المستهلكين والشركات. فقد ارتفع متوسط التعرفة الجمركية الأميركية إلى مستويات غير مسبوقة منذ ثلاثينيات القرن الماضي. النتيجة كانت ارتفاع الأسعار وزيادة حالة عدم اليقين في الأسواق.
من الناحية السياسية، يمثل هذا تحوّلاً كبيرًا. ففي حقبة العولمة، كانت الفوائد واسعة، ولكن غير محسوسة، بينما تركزت التكاليف على فئات محدودة من العمال والصناعات. اليوم، ومع الرسوم الجمركية، يتحمل عامة المستهلكين تكاليف واضحة وفورية، في حين أن الفوائد المحتملة المتمثلة بعودة سلاسل التوريد والإنتاج إلى الداخل الأميركي قد لا تظهر إلا بعد سنوات، وربما لفائدة عدد محدود من القطاعات.
سياسات واشنطن تدفع شركاءها التقليديين إلى البحث عن بدائل. فمحاولات كندا لإقامة شراكات مع دول أوروبية شمالية، أو مبادرات الهند لتعزيز تعاونها مع الصين، تعكس بوادر إعادة توجيه للتجارة بعيدًا عن السوق الأميركية. لكن هذه الجهود تصطدم بواقع الاعتماد العميق على السوق الأميركية، ما يحدّ من إمكانية تحقيق استقلال كامل.
الاتحاد الأوروبي يمثل حالة اختبار بارزة. ورغم خطاباته الطموحة حول “الاستقلالية الاستراتيجية”، فإنه لم ينجح حتى الآن في استكمال اتفاقيات كبرى مثل اتفاقية “ميركوسور” مع أمريكا الجنوبية. هذا التردد يثير الشكوك حول مدى استعداد أوروبا لدفع أثمان سياسية واقتصادية حقيقية مقابل تعزيز مكانتها الجيوسياسية.
من غير المرجح أن نشهد حدثًا تأسيسيًا جديدًا على غرار توقيع الجات عام 1947 أو إنشاء منظمة التجارة عام 1995. عوضًا عن ذلك، يبدو أن العالم يتجه نحو “فسيفساء” من الترتيبات التجارية المتداخلة: اتفاقيات ثنائية، ترتيبات إقليمية، وصفقات آنية لتجنب التصعيد مع القوى الكبرى.
حتى مفهوم “النظام” ذاته قد يكون مضللًا. فبدلاً من بنية منظمة ومتسقة، قد نجد أنفسنا أمام مشهد أقرب إلى مكتب مزدحم بالأوراق غير المصنفة: أجزاء متفرقة، غير مترابطة، وغير قابلة للإصلاح الشامل.
التجارة العالمية تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. النظام المتعدد الأطراف الذي وفر إطارًا لتسوية الخلافات وضبط السلوك التجاري لعقود يواجه خطر التفكك. وبينما تواصل الولايات المتحدة والصين تحدي القواعد القديمة، تجد الدول الصغيرة نفسها أمام معضلة: التمسك بالمؤسسات القائمة رغم ضعفها، أو الانخراط في ترتيبات جديدة أكثر محدودية.
المستقبل لا يبدو مرسومًا بوضوح. فإما أن نشهد مزيدًا من التشظي وفقدان الثقة، أو أن تنشأ صيغ جديدة للتعاون تعكس توازنات القوى الراهنة. في كلتا الحالتين، فإن عودة عقارب الساعة إلى حقبة العولمة السلسة والتعددية الكاملة تبدو مستبعدة. وعلى العالم أن يتكيف مع واقع جديد يتسم بارتفاع الحواجز، وتعدد القواعد، وتزايد المنافسة الاستراتيجية.