من عبقرية الفراهيدي إلى مغامرة دون كيخوته وثقافة البلقان
انتهت الدورة الخامسة والثلاثون من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، بعد ستة أيام بدت مختلفة عن دورات سابقة، بدءاً من حجم البرنامج، إلى الشخصية التي أراد المعرض أن يظهر بها هذا العام، وهو كتاب في المركز، وحوله دوائر واسعة من التاريخ والفنون واللغة والثقافات العالمية والذاكرة الإماراتية..
تحت شعار "لنقلب الصفحة ونقرأ العالم"، استقبل المعرض عارضين من 95 دولة، وقدم أكثر من 1500 فعالية، لكنه في الوقت نفسه بنى دورته حول اختيارات ثقافية محددة، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي كشخصية محورية، بهدف إحياء التراث العربي وتقديمه للعالم كقوة فكرية ملهمة، خاصة أن الفراهيدي هو عصب اللغة العربية، فهو صاحب أول معجم عربي، ومؤسس علم العروض ومكتشف موسيقى الشعر وبحوره..
كما أن المعرض هذا العام اختار كتاب "دون كيخوته" للكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس، ليكون "كتاب العالم"، بهدف إبراز الادب الذي يتجاوز حدوده الجغرافية واللغوية الأصلية، ليصبح ملكاً للبشرية.. فقد تجاوز هذا الكتاب موطنه الاسباني ودخل في الذاكرة الثقافية لشعوب الأرض بمختلف لغاتهم.
كما أن شخصية دون كيخوته، وهو الفارس الذي يحارب طواحين الهواء ظناً منه أنها تنانين أو عمالقة، تجسد المسافة الملتبسة بين الواقع والخيال، وتوتر يجعل التجربة الإنسانية المعاصرة تتأثر حتى اليوم بعوالم الافتراضية التي تنافس الواقع اليوم.
بالإضافة إلى ذلك، إختار معرض أبوظبي للكتاب هذا العام "ثقافة البلقان"، لتكون ضيف شرف، والبلقان منطقة جغرافية تاريخية في جنوب شرق أوروبا تضم ثقافات شديدة التنوع في دول مثل اليونان وألبانيا وبلغاريا وكرواتيا وجمهورية شمال مقدونيا التي تقود هذه المشاركة بالتعاون مع المعرض..
فقام المعرض بتخصيص أجنحة وندوات تركز بالكامل على أدب وتاريخ وفنون هذه المنطقة الأوروبية، ليتيح للقارئ والمبدع العربي فرصة التعرف على كتاباتهم وتبادل الترجمات وبناء جسور التواصل الثقافي مع منطقة غنية جغرافياً وتاريخياً بالقصص والصراعات والأدب..
ولعل تكريم الأديب الإماراتي محمد المر، يمثل ضلعاً رئيساً في البنية الثقافية المتميزة في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، وكان من اجمل إشارات دورته الـ 35، حيث تم اختياره ليكون الشخصية الأولى المكرمة في المبادرة السنوية الجديدة التي أطلقها المعرض، تحت عنوان "أعلام الإمارات"، ويستهدف المعرض من خلال هذا التكريم توثيق الإرث الحي للرموز الذين أسسوا وشكلوا المشهد الثقافي والفكري المعاصر لدولة الإمارات ليكونوا قدوة للأجيال القادمة.
شمل برنامج التكريم الأديب محمد المر ف المعرض جلسة "توثيق تحولات المجتمع" وجلسة حوارية مخصصة للاحتفاء بمسيرة "قصص محمد المر.. توثيق تحولات المجتمع" ركزت الجلسة على ملمح أساسي في أدبه ورصد التفاصيل الدقيقة للمجتمع الاماراتي وتحولاته الاجتماعية والاقتصادية عبر العقود، مما جعل أدبه بمثابة حافظة لذاكرة الوطن المعاصرة..
كما خصص المعرص جناحاً مستقلاً وجدارية تؤرخ لمسيرته، بالإضافة إلى مقتنياته الخاصة أتاحت للجمهور فرصة نادرة للاطلاع عليها، هذا وتم إنتاج فيلم وثائقي خاص باللغتين العربية والإنجليزية يتتبع رحلته الاستثنائية..
تبقى الرسالة الأساسية لمعرض أبوظبي هذا العام من هذا الاختيار، أن ننظر إلى رموزه الإماراتيين بوصفهم جزءاً من ذاكرة ينبغي توثيقها، ومحاولة لبناء أرشيف حي للثقافة الإماراتية تحت شعار "لنقلب الصفحة ونقرأ العالم" هي التأكيد أن الكتاب يمثل المساحة المشتركة التي تجمع البشر باختلافهم. وهذا، ربما، أكثر ما ميّز دورة 2026م لم يكن الكتاب نهاية الرحلة، بل بدا في معظم أرجائها بدايتها.
&nb