أحد أبرز ملامح هذا القصور هو الهوس بالعجز التجاري كمؤشر على “الخسارة الوطنية”. فرغم أن العجز في الميزان التجاري للولايات المتحدة يُعتبر في نظر معظم الاقتصاديين نتيجة طبيعية لقوة الدولار ونمو الطلب المحلي، فإن إدارة ترامب تنظر إليه بوصفه “دليلًا على أن الدول الأخرى تستغل أمريكا”. هذه النظرة تختزل العلاقات التجارية في حساب صفري: إما أن نربح أو نخسر، وهو منطق لا يليق باقتصاد مترابط يعتمد على التكامل الصناعي العابر للحدود.
ما يغيب عن صناع القرار في هذه الإدارة، أو يتم تجاهله عمدًا، هو دور سلاسل التوريد الدولية. ففي عصر العولمة، لا تُصنّع المنتجات في دولة واحدة، بل تمر عبر محطات متعددة: المواد الخام تُستخرج في أفريقيا، تُصنّع في آسيا، تُركّب في أوروبا، وتُسوّق في أميركا. ومع ذلك، عندما تفرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية على المنتج النهائي – لنقل سيارة كهربائية صينية – فإن الضرر لا يصيب الصين وحدها، بل يمتد إلى شركات ألمانية تصنّع الأنظمة الإلكترونية، وكورية تنتج البطاريات، وإماراتية تورد الألمنيوم. هذه التفاعلات الخفية لا تظهر على عناوين الأخبار، لكنها تؤثر في الوظائف، والاستثمار، والتكلفة النهائية التي يتحملها المستهلك الأميركي.
لكن ما يُغفل في هذا الطرح هو أن الرسوم الجمركية، وإن بدت وسيلة للضغط، فهي سلاح ذو حدين. فكل ضريبة تُفرض على منتج مستورد، تُترجم عمليًا إلى ارتفاع في تكلفة الإنتاج المحلي، واضطراب في سلاسل التوريد، وعبء إضافي على المستهلك النهائي. وهكذا، يتحوّل الشعار السياسي الجذاب إلى أداة تآكل داخلي تدريجي.
في الختام، يمكن القول إن إدارة ترامب لا تجهل أساسيات الاقتصاد العالمي بالضرورة، لكنها اختارت تجاهلها لصالح خطابات مبسطة تلبي دوافع سياسية داخلية. المشكلة أن الاقتصاد لا يستجيب للشعارات، بل للوقائع. والعالم اليوم ليس ساحة مواجهة بين “منتصر ومهزوم”، بل شبكة مترابطة يربح فيها الجميع أو يخسر فيها الجميع، بحسب قدرتهم على فهم هذا التعقيد والتعامل معه بذكاء.
&nb