لماذا لا يُنصف العالم الاقتصاديين الصينيين.. قراءة مختلفة لقصة النجاح الاقتصادي في الصين

مقال - ميدار.نت.. بقلم: حسين القمزي - خبير اقتصادي إماراتي
مقالات
الصين
17 يونيو 2025
Cover

مقال - ميدار.نت.. بقلم: حسين القمزي - خبير اقتصادي إماراتي

في الوقت الذي تبهر فيه الصين العالم بصعودها الاقتصادي المذهل، قلّما يتوقف أحد عند العقول الاقتصادية التي صاغت هذا التحول الجذري. من قرى فقيرة في السبعينيات إلى مدن تكنولوجية تنافس وادي السيليكون، نجحت بكين في بناء ثاني أكبر اقتصاد عالمي. ومع ذلك، ما زالت الرواية السائدة تُرجع هذا الإنجاز إلى قوة الدولة أو وفرة اليد العاملة الرخيصة، وتتجاهل كليًا دور المفكرين الاقتصاديين والخبراء الذين صنعوا السياسات التي قادت هذا المسار. لماذا إذن يغيب الاقتصاديون الصينيون عن الواجهة؟ وهل حان الوقت لإعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها النموذج الصيني؟

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت اللغة الاقتصادية العالمية مهيمنة بالمنظور الأنجلوساكسوني، من كينزية الدولة إلى نيوليبرالية السوق. أما الصين، فقد اختارت طريقًا لا يشبه أيًّا منهما: نموذج مرن، تجريبي، هجّن فيه صانعو القرار بين التخطيط المركزي والانفتاح على السوق. هذه “الفوضى المنظمة” لم تُفهم جيدًا في الغرب، ما ساهم في تهميش المفكرين الصينيين الذين قادوا التحول.

النظام الصيني لا يروّج للبطولات الفردية. فعلى خلاف الدول الغربية حيث يظهر الاقتصاديون كمستشارين بارزين أو رموز إعلامية، يُدار الاقتصاد الصيني من خلال مؤسسات مثل اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح والبنك المركزي الصيني، في بيئة يغلب عليها الطابع الجماعي والبيروقراطي. وهذا قلّل من شهرة الأفراد رغم عمق تأثيرهم.

خلافًا للصورة النمطية، لم تسرق الصين الأفكار من الغرب، بل أعادت صياغتها حسب بيئتها. “لين يي فو”، أول اقتصادي صيني يشغل منصب كبير اقتصاديي البنك الدولي، طوّر نظريته في “الاقتصاد البنيوي الجديد” الذي يشجّع الدول النامية على بناء صناعات تناسب ميزاتها النسبية. أما الباحثة “يون يوان أنغ”، فقد كشفت كيف نجح الصينيون في تحويل ضعف المؤسسات إلى فرص، بفضل حوافز ذكية وتدريج محسوب.

اقتصاديو الصين لم يكونوا مجرد اقتصاديين أكاديميين، بل أيضًا “مهندسو مخاطر”. من تسعير مزدوج للسلع، إلى تجارب المناطق الاقتصادية الخاصة، ومن تحرير سعر الصرف إلى ضبط الأسواق المالية، واجه هؤلاء الاقتصاديين الصينيين مقاومة داخلية وتحديات دولية هائلة، ومع ذلك دفعوا عجلة التغيير دون الانزلاق نحو الفوضى أو فقدان السيطرة.

تجربة الصين تثير تساؤلات مزعجة للنموذج الغربي التقليدي:

هل الديمقراطية شرط مسبق للنمو الاقتصادي؟

هل الخصخصة دائمًا مجدية؟

هل الفساد بالضرورة عائق للتنمية؟

الصين أجابت على هذه الأسئلة بشكل غير مباشر، من خلال نتائج واقعية لا شعارات.

بدأت الجامعات والمراكز البحثية خارج الصين تلتفت إلى الفكر الصيني. تُنشر الآن مقالات أكثر في مجلات اقتصادية عالمية، وتبرز ترجمات لنقاشات داخلية عبر منصات مثل Pekingnology. لكن لا يزال الطريق طويلًا حتى يحصل لـ”لين يي فو” أو “وو جينغليان” على المكانة العالمية التي يستحقانها.

إن تجاهل العقول التي خططت لهذا الصعود الصيني هو بمثابة قراءة رواية عظيمة دون ذكر مؤلفيها. نعم، الصين استفادت من ظروف دولية، ووفرة سكانية، وعقود من الانضباط الإداري. لكنها أيضًا استفادت من أفكار أصلية، ومفكرين ذو استراتيجية ورؤية طويلة الأمد.

إذا أردنا أن نفهم القرن الآسيوي المقبل، علينا أن نعيد النظر فيمن نمنحه “الفضل” — ونبدأ بتسمية الاقتصاديين الصينيين الذين كتبوا هذا الفصل المفصلي من التاريخ.

إذا كانت التجربة الصينية قد أثبتت شيئًا، فهو أن النهضة الاقتصادية لا تأتي باستيراد الحلول الجاهزة، بل من خلال التكييف الذكي للأفكار، وتبنّي نماذج محلية تستجيب لخصوصيات المجتمع والسوق والمؤسسات. لقد بنت الصين نجاحها ليس فقط على الإرادة السياسية، بل على اقتصاديين مفكرين، تجريبيين، واقعيين، غاصوا في التفاصيل وصاغوا رؤية تتطور عبر الزمن.

بالنسبة للاقتصادات العربية، فإن دروس الصين متعددة:

التركيز على الاستثمار في العقول المحلية، خلق بيئة تسمح بالتجريب والتدرج، التعامل بمرونة مع التحديات العالمية، وربط التنمية بالحوافز لا بالشعارات.

نحن لا نحتاج إلى استنساخ النموذج الصيني، ولكننا بحاجة إلى الروح التي وقفت خلفه: روح التواضع أمام الواقع، والابتكار من داخل الحدود، والثقة في أن “الاقتصادي الصامت” أحيانًا، قد يكون مهندس المستقبل.