طلاق عبر الأطلسي

مقال - ميدار.نت.. بقلم: حسين القمزي - خبير اقتصادي إماراتي
مقالات
10 مارس 2025
Cover

أوروبا تدخل حقبة جديدة من الاستقلال الاقتصادي والدفاعي وسط توتر العلاقات مع واشنطن

 

مقال - ميدار.نت.. بقلم: حسين القمزي - خبير اقتصادي إماراتي

تشهد العلاقات عبر الأطلسي توترًا غير مسبوق، حيث تسارع القادة الأوروبيون هذا الأسبوع لوضع خطة دفاعية جديدة لحماية أوكرانيا دون الاعتماد على الولايات المتحدة. هذا التحول الجذري يعكس نهاية عقود من التعاون الوثيق بين الجانبين، ما يدفع أوروبا إلى اتخاذ خطوات جادة لتعزيز قدراتها الدفاعية وتحقيق استقلالية أكبر في القرارات الأمنية والاقتصادية.

تحول استراتيجي في العلاقات عبر الأطلسي

شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا في الخطاب الأمريكي تجاه أوروبا، حيث هدد الرئيس الأمريكي بفرض تعريفات جمركية جديدة على الاتحاد الأوروبي، معتبرًا أنه كان “مصممًا للإضرار بالولايات المتحدة”. في الوقت نفسه، انتقد مسؤولون أمريكيون مواقف أوروبا بشأن القيم الديمقراطية، مما زاد من حدة التوترات. هذه التطورات دفعت القادة الأوروبيين إلى إعادة تقييم موقفهم من التحالف مع واشنطن، وسط قلق متزايد من إمكانية عقد صفقة بين الإدارة الأمريكية وروسيا على حساب المصالح الأوروبية.

إعلان الولايات المتحدة وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا وتعليق تبادل المعلومات الاستخباراتية شكّل ضربة كبيرة لكييف، التي اعتمدت بشكل كبير على الدعم الأمريكي في التصدي للهجمات الروسية. يعتبر فقدان أنظمة الدفاع الجوي “باتريوت” أحد أكبر المخاوف الأوكرانية، حيث كانت هذه الأنظمة عاملاً حاسماً في الحد من تأثير الهجمات الجوية الروسية. ومع ذلك، يظل السؤال المطروح: هل تستطيع أوروبا سد هذه الفجوة الأمنية؟

استجابةً لهذه التحديات، أعلنت ألمانيا عن تخصيص مئات المليارات من اليوروهات لتعزيز إنفاقها الدفاعي، وهو تغيير جذري لسياسات برلين التي اتسمت تاريخيًا بالحذر العسكري منذ الحرب العالمية الثانية. كما تم طرح مقترحات لإنشاء حزمة تحفيزية على مستوى الاتحاد الأوروبي لدعم القطاعات الدفاعية والاستراتيجية. هذه الخطوات تعكس تحوّلًا محوريًا في دور ألمانيا داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية، حيث لم تعد أوروبا قادرة على الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لضمان أمنها.

تزامنت هذه التحولات مع تغيّر في توجهات الأسواق المالية، حيث شهدت الأسواق الأوروبية ارتفاعًا في أسهم الشركات الدفاعية والصناعية، بينما تعرضت الأسواق الأمريكية لتراجع نسبي. يفسر بعض المحللين هذا الارتفاع برؤية تفاؤلية حول تأثير الإنفاق الدفاعي كحافز اقتصادي يعزز النمو الأوروبي. في المقابل، لا تزال أوروبا تواجه تحديات اقتصادية كبرى، لا سيما في ظل ارتفاع الديون العامة لدول مثل فرنسا وبريطانيا، مما يثير تساؤلات حول مصادر تمويل هذه القفزة في الإنفاق العسكري.

في ظل هذه المتغيرات، يثار تساؤل جوهري حول مستقبل العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالدور الأوروبي في تمويل العجز الأمريكي من خلال شراء سندات الخزانة. مع تحوّل الأولويات نحو دعم الاقتصادات المحلية وتعزيز القدرات الدفاعية، قد نشهد تحولًا في سياسات الاستثمار الأوروبية بعيدًا عن الاعتماد على الدولار الأمريكي، مما يطرح تساؤلات حول تأثير ذلك على مكانة العملة الأمريكية عالميًا.

لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه التوترات ستؤدي إلى قطيعة دائمة بين أوروبا والولايات المتحدة، أم أنها مجرد فصل جديد في العلاقات المعقدة بين القوتين. في حين أن أوروبا تسعى لإثبات استقلاليتها، لا تزال هناك مخاوف من أن تؤدي هذه التحولات إلى تصاعد الانقسامات الداخلية في الاتحاد الأوروبي، خاصة إذا استدعت الحاجة إلى خفض الإنفاق الاجتماعي لتمويل التوسع العسكري.

 قد يكون هذا “الطلاق عبر الأطلسي”، كما وصفته بعض الأوساط، لحظة تاريخية تعيد تشكيل النظام الدولي.

 السؤال الأهم الذي يطرح نفسه الآن هو: هل ستنجح أوروبا في بناء منظومة دفاعية واقتصادية مستقلة ؟