أظهرت مراجعة علمية أجراها باحثون متخصصون في تاريخ طب الأسنان بجامعة كوين ماري في لندن أن الاعتقاد السائد حول ممارسة تقويم الأسنان في الحضارات القديمة، ولا سيما المصرية والإتروسكانية، لا يستند إلى أدلة مادية علمية قاطعة، بل يقوم في معظمه على تفسير خاطئ لاكتشافات أثرية.
وبيّنت الدراسة أن الأجهزة الذهبية التي عُثر عليها في مقابر قديمة، والتي جرى عرضها لعقود في الكتب الدراسية والمتاحف بوصفها نماذج مبكرة لتقويم الأسنان، لم تكن في الواقع أدوات تقويم بالمعنى الطبي الحديث القائم على تطبيق ضغط مستمر لتحريك الأسنان.
وأوضح الباحثون أن تلك الأدوات، سواء المكتشفة في مواقع أثرية مصرية مثل منطقة «القطاع»، أو في المقابر الإتروسكانية التابعة لحضارة إيطالية قديمة تعود إلى نحو 900 قبل الميلاد، كانت تُستخدم أساساً كوسائل لتثبيت الأسنان المخلخلة أو كأطراف صناعية بديلة تُعرف بجسور الأسنان، وليس لتصحيح محاذاة الأسنان أو علاج سوء الإطباق.
وأشارت المراجعة إلى أن النقلة النوعية الحقيقية في تاريخ تقويم الأسنان لم تبدأ إلا في القرن الثامن عشر، وتحديداً عام 1728، مع الطبيب الفرنسي بيير فوشارد، الذي يُعد مؤسس طب الأسنان الحديث، حيث وضع أول تصميم علمي لجهاز قادر على توسيع قوس الأسنان باستخدام مبادئ دقيقة في تطبيق القوة الميكانيكية.
واستند الباحثون في دحض فكرة وجود تقويم أسنان فعّال في العصور القديمة إلى عاملين رئيسيين؛ أولهما أن الذهب النقي المستخدم في تلك الأدوات يتميز بليونة عالية لا تسمح بالحفاظ على الضغط اللازم لتحريك الأسنان، وثانيهما أن مشكلات ازدحام الأسنان كانت نادرة في المجتمعات القديمة، نتيجة الأنظمة الغذائية القاسية التي ساهمت في نمو فكّين أكبر حجماً، ما جعل الحاجة الطبية لتقنيات التقويم محدودة للغاية.
وأضافت الدراسة أن المحاولات القليلة الموثقة تاريخياً في العصور القديمة اقتصرت على ممارسات بدائية، مثل استخدام الضغط اليدوي أو الدفع بالإصبع لتصحيح اعوجاج بسيط في الأسنان لدى الأطفال خلال العهد الروماني، دون وجود أدوات متخصصة أو فهم علمي لحركة الأسنان.
وخلص باحثو جامعة كوين ماري إلى أن الحضارات القديمة أظهرت مهارة واضحة في تعويض الأسنان المفقودة وتثبيتها، إلا أن تقويم الأسنان، بوصفه تخصصاً طبياً قائماً على أسس علمية وميكانيكية دقيقة، يُعد إنجازاً حديث العهد نسبياً، ارتبط بتغير أنماط الحياة والغذاء لدى الإنسان، وبالتطور الكبير في العلوم الطبية خلال القرون الثلاثة الأخيرة.