في عصر وسائل التواصل، لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائضها.
الأخبار تصل قبل أن تكتمل، والصور تنتشر قبل أن تُفهم، والتعليقات تبدأ قبل أن ينتهي الحدث نفسه.
وما كان يحتاج في الماضي إلى أيام حتى يتحول إلى رواية عامة، أصبح اليوم يحتاج إلى دقائق.
حادثة رحلة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب قدمت مثالاً واضحاً على ذلك.
قبل أن تكتمل التحقيقات، كانت وسائل التواصل قد أنتجت بالفعل عشرات التفسيرات: عمل إرهابي، مؤامرة إقليمية، اختراق أمني، رسالة سياسية، أو جزء من عملية أكبر.
بعض هذه الاحتمالات ربما كان يستحق الفحص، لكن المشكلة لم تكن في طرحها، بل في السرعة التي تحولت بها من احتمالات إلى «حقائق» لدى كثيرين.
هذه ليست مشكلة تخص حادثة طيران بعينها، بل سمة من سمات عصرنا.
عندما يكون الحدث كبيراً والمعلومات قليلة، لا يحب العقل البشري الفراغ. نريد جواباً سريعاً للسؤال: ماذا حدث؟ ومن فعل ذلك؟ ولماذا؟ وعندما لا تأتي الإجابة بالسرعة التي نريدها، نبدأ في ملء الفراغ بأنفسنا.
من هنا تولد الشائعة.. ومن هنا أيضاً تبدأ كثير من نظريات المؤامرة.
هناك فارق جوهري بين أن نقول: «هذا أحد التفسيرات الممكنة»، وأن نقول: «هذا ما حدث».
المسافة بين العبارتين هي المسافة التي تفصل الاحتمال عن المعرفة، ويملؤها شيء واحد: الدليل.
المفارقة أن الرواية غير الموثقة كثيراً ما تكون أكثر إقناعاً من الحقيقة. الحقيقة بطبيعتها ناقصة ومملة في مراحلها الأولى.
المحقق يقول إنه ما زال يجمع الأدلة.. والخبير يقول إنه يحتاج إلى مزيد من البيانات.. والجهة الرسمية تقول إنها لا تستطيع تأكيد الدافع بعد.
أما صاحب الرواية الجاهزة فلا يعاني هذه القيود.
لديه تفسير كامل منذ اللحظة الأولى. يعرف الفاعل والدافع والمستفيد، ويربط الحدث بتاريخ طويل من الخطط السرية. وفي عالم مرتبك، تقدم مثل هذه الرواية شيئاً ثميناً: اليقين.. وهذا أحد أسباب جاذبيتها.
تخيل منشوراً يقول إن النظام المالي العالمي يجري تفكيكه سراً، وإن المؤسسات التي سيطرت على الثروة لعقود أصبحت مجرد هياكل فارغة، وإن السلطة انتقلت بالفعل إلى تحالف جديد ولم يتبق سوى الإعلان الرسمي.
اللغة كبيرة وواثقة، والقصة متماسكة، وقد تمنح قارئها إحساساً بأنه اطلع على سر حُجب عن الآخرين.. لكن عند إزالة اللغة المثيرة، ماذا يتبقى؟
أين الوثائق؟ ما المؤسسات المقصودة تحديداً؟ من اتخذ القرارات؟ متى؟ ما الآلية؟ وما الواقعة التي يمكن التحقق منها بصورة مستقلة؟
في كثير من الأحيان لا نجد شيئاً يتناسب مع حجم الادعاء.
وهنا تقع إحدى الخدع الإدراكية الأكثر شيوعاً: نخلط بين الثقة التي يتحدث بها صاحب الادعاء وبين قوة الأدلة التي يمتلكها. وهما أمران مختلفان تماماً. فالإنسان يستطيع أن يكون مخطئاً ومقتنعاً بما يقول إلى درجة مذهلة.
الأكثر تعقيداً أن أفضل المعلومات المضللة لا تبدأ عادة بكذبة كاملة، بل بحقيقة.
للبنوك المركزية نفوذ هائل في الاقتصاد. هذا صحيح.
شركات الأدوية تسعى إلى الربح. صحيح أيضاً. الحكومات أخفت معلومات عن الجمهور في مناسبات عديدة. والشركات تمارس الضغط على صناع القرار. والتاريخ مليء بفضائح كشفت بعد سنوات أن مؤسسات محترمة أخطأت أو ضللت الناس.
لكن صحة هذه المقدمات لا تمنحنا حرية الوصول إلى أي نتيجة نريدها.
أن تكون شركات الأدوية ربحية لا يثبت أنها تخفي علاجاً للسرطان.
وأن تكون الحكومات قد كذبت من قبل لا يعني أن كل تصريح حكومي كاذب.
وأن تملك البنوك المركزية قوة كبيرة لا يثبت أن جهة سرية واحدة تدير النظام المالي العالمي.
هذه القفزة من حقيقة محدودة إلى استنتاج شامل هي قلب كثير من التفكير المؤامراتي.
ولعل أحد أسباب نجاح هذا النوع من التفكير أنه أكثر أناقة من الواقع. فالواقع فوضوي. السياسة ليست خطة واحدة، بل صراع مصالح ومؤسسات وأشخاص وأخطاء.
الاقتصاد نتاج ملايين القرارات التي تتفاعل بطريقة لا يستطيع أحد السيطرة عليها بالكامل.
وحتى الحكومات القوية كثيراً ما تعجز عن تنسيق وزاراتها، فضلاً عن إدارة العالم من غرفة سرية واحدة.
لكن الرواية المؤامراتية تزيل الفوضى. لكل شيء سبب، ولكل سبب فاعل، ولكل فاعل خطة.
المشكلة أن قدرة الإنسان على إيجاد الأنماط تفوق أحياناً قدرة العالم على إنتاجها.
إذا وقعت خمسة أحداث متقاربة، يمكن دائماً رسم خط يصل بينها بعد وقوعها.
لكن وجود الخط في أذهاننا لا يعني بالضرورة وجوده في الواقع.
ولهذا فإن السؤال الأكثر فائدة ليس: «هل أستطيع أن أربط هذه الأحداث؟».
بل: «ما الدليل على أن هذه العلاقة حقيقية وليست مجرد قصة صنعتها بعد حدوثها؟»
الأمر يصبح أكثر خطورة عندما نصل إلى نظرية لا يمكن إثبات خطئها.
إذا ظهرت وثائق قيل إنها الدليل، وإذا لم تظهر قيل إن غيابها دليل على نجاح عملية الإخفاء.
وإذا نفت المؤسسة الادعاء أصبح النفي دليلاً على تورطها، وإذا التزمت الصمت أصبح الصمت دليلاً آخر.
وهكذا تتحول النظرية إلى نظام مغلق، يستطيع تفسير كل شيء ولا يسمح لأي شيء بتكذيبه.
لكن هذه ليست علامة قوة فكرية. بل العكس. إحدى السمات الأساسية للتفكير العقلاني هي وجود شيء، على الأقل من حيث المبدأ، يمكن أن يجعلنا نغير رأينا.
هناك سؤال بسيط يستحق أن نسأله لأنفسنا باستمرار: ما المعلومة التي لو ظهرت ستجعلني أقول إنني كنت مخطئاً؟
إذا كانت الإجابة «لا شيء»، فنحن لم نعد نبحث عن الحقيقة؛ نحن ندافع عن اعتقاد.
وسائل التواصل تضيف إلى ذلك مشكلة أخرى: التكرار. المعلومة التي نراها مرة قد تثير شكنا، لكن عندما نراها عشر مرات، من حسابات مختلفة وبصياغات مختلفة، تبدأ في الشعور بأنها مألوفة. والمألوف لديه قابلية غريبة لأن يبدو صحيحاً.
غير أن عشرة حسابات قد تكون جميعها تنقل من المصدر نفسه. ومائة تغريدة قد تكون في حقيقتها نسخة واحدة أعيد تدويرها مائة مرة. كثرة الناقلين لا تعني كثرة الأدلة.
ثم تأتي الخوارزمية لتعمق الوهم. إذا شاهد الإنسان عدداً من المقاطع التي تتحدث عن مؤامرة ما، ستفهم المنصة أنه مهتم بها، فتقدم له المزيد. وبعد فترة يبدو له أن «الجميع يتحدث عن هذا». لكنه لا يرى العالم كله؛ بل يرى نسخة من العالم صممتها اختياراته السابقة.
إنها غرفة مرايا رقمية.. ومع ذلك، فإن الحل ليس الانتقال إلى الطرف الآخر وقبول كل ما تقوله المؤسسات الرسمية أو وسائل الإعلام أو الخبراء. الشك ليس مرضاً، بل ضرورة. كثير من أكبر الفضائح في التاريخ ظهرت لأن شخصاً رفض الرواية الرسمية وواصل التحقيق.
لكن هناك فرقاً بين الشك المنهجي والشك العقائدي.
الأول يقول: «أريد دليلاً أفضل.»
والثاني يقول: «إذا قالته المؤسسة فهو كذب.»
الأول يترك الباب مفتوحاً لتغيير الرأي. والثاني اتخذ قراره مسبقاً.
العقلانية لا تطلب منا أن نصدق السلطة، كما لا تطلب منا تكذيبها. إنها تطلب شيئاً أكثر صعوبة: أن نفحص الادعاء نفسه، بصرف النظر عمن قاله.
قد يقول شخص لا نثق به شيئاً صحيحاً، وقد يقول شخص نحترمه شيئاً خاطئاً.
الحقيقة ليست امتيازاً تمنحه المكانة الاجتماعية، ولا خطأً ينتقل بالعدوى من صاحب الرأي.
يمكن للإنسان أن يحمي نفسه ببعض العادات البسيطة. عندما يرى عنواناً من نوع «كشف خطير سيغير العالم»، عليه أن يحذف الكلمات المثيرة ذهنياً ويسأل: ماذا حدث فعلاً؟
عندما يقرأ أن «المصادر تؤكد»، عليه أن يسأل: ما المصدر الأول؟ عندما يجد عشرات المواقع تكرر الخبر نفسه، عليه أن يبحث عما إذا كانت جميعها تعتمد على المصدر ذاته.
والأهم من ذلك أن يبحث أحياناً عن أقوى حجة ضد ما يعتقده، لا عن أضعف حجة يمكنه السخرية منها.
هذه ممارسة صعبة لأن العقل البشري لا يحب اكتشاف أنه كان مخطئاً. نحن نميل إلى البحث عما يؤكد معتقداتنا السابقة، خصوصاً عندما ترتبط المسألة بهويتنا السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية. وإذا جعل الإنسان رأياً ما جزءاً من هويته، يصبح التخلي عنه شبيهاً بالهزيمة الشخصية.
لكن تغيير الرأي عندما تتغير الأدلة ليس هزيمة، إنه بالضبط ما يفترض أن يفعله العقل السليم.
ربما كانت إحدى أكثر المهارات قيمة في عصرنا هي القدرة على استخدام ثلاث كلمات بدقة: ممكن، مرجح، مثبت.. ليست مترادفات.
قد يكون تفسير ما ممكناً، لكن الأدلة المتوفرة تجعله ضعيف الاحتمال.
وقد يصبح مرجحاً مع ظهور قرائن جديدة، لكنه لا يصبح حقيقة مثبتة إلا عندما يصبح الدليل كافياً.
حادثة «فلاي دبي» توضح أهمية هذا التمييز.
في الساعات الأولى كان من المشروع أن تكون هناك فرضيات كثيرة. لكن تحويل إحدى هذه الفرضيات إلى حقيقة قبل انتهاء التحقيق لم يكن تحليلاً؛ كان مجرد اختيار قصة في غياب المعلومات.
وهناك بعد آخر للمشكلة لم يكن موجوداً بهذه القوة قبل عشرين عاماً: كل واحد منا أصبح ناشراً.
عندما نضغط زر إعادة النشر لا نكون مجرد مستهلكين للمعلومة.
نحن نشارك في توزيعها، ونمنحها شيئاً من مصداقيتنا الشخصية. ولهذا ربما يكون من المفيد قبل إعادة نشر خبر مثير أن نسأل سؤالاً بسيطاً: لو ظهر غداً أنه غير صحيح، هل كنت سأندم على أنني ساهمت في نشره اليوم؟
عشر ثوان من التردد قد تكون أحياناً أكثر قيمة من عشر دقائق من الجدل.
لكن التحدي الأعمق ليس أن نتعلم كيف نكشف الأكاذيب فقط، بل كيف نتجنب التحول إلى مرددين، حتى عندما نكون في الجانب الصحيح.
يمكن للإنسان أن يردد معلومة صحيحة من دون أن يعرف لماذا هي صحيحة. وفي هذه الحالة لم ينتقل فعلياً من التقليد إلى التفكير؛ لقد غير فقط الشخص الذي يقلده.
ولهذا ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نعلم أنفسنا وأبناءنا طرحه أقل بساطة من «ماذا أصدق؟»
السؤال الأفضل هو: كيف أعرف أن ما أصدقه صحيح؟
الإجابة تحتاج إلى مصدر، ودليل، ومقارنة، واستعداد لسماع الحجة المضادة، والأهم من ذلك كله قدر من التواضع المعرفي.
فالتنوير ليس في أن تعرف كل شيء. لا أحد يستطيع ذلك. وهو ليس في أن تشك في كل شيء، لأن الشك المطلق يصبح شكلاً آخر من أشكال السذاجة.
التنوير هو أن تعرف الفرق بين ما تعرفه، وما تعتقده، وما ترجحه، وما لا تعرفه بعد.
أن تستطيع أن تقول: «لا أعرف»، دون شعور بالحرج.
وأن تقول: «كنت مخطئاً»، دون شعور بالهزيمة.
وأن تؤجل رأيك عندما لا تكفي المعلومات، حتى لو كان الجميع من حولك قد اختاروا بالفعل روايتهم المفضلة.
العقل الذكي ليس العقل الذي يصل إلى الاستنتاج أولاً. في كثير من الأحيان يكون العقل الأذكى هو الذي يصل إليه أخيراً، بعد أن يمر عبر الأدلة والاحتمالات والشكوك.
وفي عالم أصبحت فيه صناعة الرواية أسرع من اكتشاف الحقيقة، ربما تكون أكثر الجمل عقلانية هي أيضاً أبسطها: لا أعرف بعد، ثم ننتظر قليلاً.
فالحقيقة، على عكس الشائعة، لا تحتاج دائماً إلى أن تصل أولاً.
#مقالات_ميدار في عصر وسائل التواصل، الخبر بات يصل قبل أن يكتمل، والصورة تنتشر قبل أن تُفهم.. وحادثة رحلة «فلاي دبي» قدمت مثالاً واضحاً بقلم: حسين القمزي @HussainAlQemzi https://t.co/RLXT5QQiCV
— Midar (@Midarnews) October 8, 2026