بدأت رؤية الرئيس دونالد ترامب لما يصفه بـ “العصر الذهبي الجديد” للولايات المتحدة تتضح بشكل أكبر مع عودته السريعة إلى السلطة. هذه الرؤية تحمل أصداء “العصر الذهبي” السابق، الذي تزامن مع فترة الرئيس الجمهوري ويليام ماكينلي في أواخر القرن التاسع عشر، وهو الذي أغتيل في مطلع القرن العشرين. تلك الحقبة كانت مرحلة شهدت نمواً صناعياً هائلاً وثروة كبيرة، لكنها اتسمت أيضاً بتحديات اجتماعية واقتصادية مثل عدم المساواة.
ترامب لم يكتفِ بمحاكاة ماكينلي من حيث الازدهار الاقتصادي، بل أضاف بعداً توسعياً، كما يظهر من تصريحاته بشأن احتمال ضم غرينلاند أو إعادة السيطرة على قناة بنما. هذه التوجهات تستلهم سياسات ماكينلي، الذي ضم في عهده هاواي وبورتوريكو وغوام، في خطوات عززت النفوذ الأمريكي عالمياً.
وفي الأسبوع الأول من ولايته، أصدر ترامب سلسلة من الأوامر التنفيذية التي تعكس توجهه نحو حكومة أكثر صرامة تهدف إلى فرض أجندتها الاقتصادية على الداخل والخارج، بما في ذلك الحلفاء التقليديون. وقد صرح خلال خطاب تنصيبه: “سنكون موضع حسد جميع الأمم، ولن نسمح بعد الآن لأنفسنا بأن يتم استغلالنا”.
في سياق حملته “صُنع في أمريكا”، يبدو أن ترامب يسعى لتكثيف الجهود لدعم التصنيع المحلي، وهو ما يمكن اعتباره امتداداً لمبادرات إدارة بايدن التي خصصت مئات المليارات لدعم البنية التحتية، وصناعة الرقائق، والطاقة المتجددة. لكن ترامب وعد بإطلاق حملة أكثر جرأة، تعتمد على الوقود الأحفوري لحماية المصالح الأمريكية، مما أثار قلقاً لدى خبراء الاقتصاد. وصف ترامب موقفه الحمائي بأنه جزء من “عودة أوسع” إلى نموذج تُستخدم فيه التعريفات الجمركية العالية لتعزيز الإيرادات الحكومية وحماية الأمريكيين من تقلبات الأسواق العالمية. مع ذلك، أشار جوزيف لافورجنا، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي الوطني، إلى أن “الانبهار بالنظرية حول عظمة الأسواق أعمى صناع القرار عن الجوانب الواقعية التي يواجهها الناس”.
في خطته الاقتصادية، جمع ترامب بين سياسات الجمهوريين التقليدية مثل تقليل الضرائب وتخفيف اللوائح التنظيمية وتوفير طاقة أرخص، وبين السياسات الشعبوية المتمثلة في فرض تعريفات جمركية على الواردات. ومن أبرز إجراءاته الإعلان عن فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الواردات الصينية و25% على الواردات الكندية والمكسيكية اعتباراً من 1 فبراير. لكن هذه السياسة أثارت مخاوف من تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي المزدهر حالياً. إذ يرى بعض الاقتصاديين أن عدم اليقين الناتج عن التهديد بفرض الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى كبح الاستثمارات الأجنبية، حتى قبل تنفيذ الإجراءات.
على الصعيد الداخلي، تواجه سياسات ترامب انتقادات من قبل النقابات العمالية، التي تشعر بالقلق من أتمتة الوظائف باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومن قبل الشركات الكبرى مثل تسلا وأمازون وميتا. أما على الصعيد الخارجي، فإن السياسات الحمائية أثارت توترات مع الشركاء التجاريين التقليديين، مما يهدد بتقويض العلاقات الاقتصادية طويلة الأمد. ويرى بعض المؤرخين أن ترامب قد يضطر إلى تعديل سياساته إذا واجه تحديات حقيقية، تماماً كما حدث مع الرئيس ماكينلي، الذي انتقل من فرض تعريفات جمركية صارمة إلى تعزيز التجارة المتبادلة مع الشركاء.
مع تصاعد التوترات التجارية، يخشى خبراء الاقتصاد أن تؤدي السياسات الانعزالية إلى إعادة التضخم الذي استغله ترامب سابقاً لاستمالة الناخبين. وبينما يعتمد ترامب على قوة الاقتصاد الحالي، بما في ذلك النمو المستدام وانخفاض معدلات البطالة، يحذر محللون من أن استراتيجية انعزالية قد تُضعف الإنتاجية الأمريكية على المدى البعيد وتهدد النمو المستقبلي. علاوة على ذلك، يرى خبراء أن تبني نهج قائم على التعريفات الجمركية العالية قد يعيد إحياء مشكلات اقتصادية، مثل ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وزيادة كلفة الإنتاج، وهو ما قد يضغط على الأسر ذات الدخل المنخفض التي استهدفها ترامب في حملته.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل ستنجح سياسات ترامب في إعادة “العصر الذهبي” الذي وعد به، أم أنها ستفتح الباب أمام تحديات اقتصادية جديدة قد تهدد مكانة الولايات المتحدة عالمياً؟ الإجابة تعتمد على كيفية موازنة الإدارة بين طموحاتها الاقتصادية وتحديات الواقع.
&nb