مرة أخرى، يجد الاقتصاد الباكستاني نفسه رهينة التوترات الإقليمية، وهذه المرة في مواجهة تصعيد عسكري خطير مع الجارة النووية الهند، على خلفية هجوم إرهابي في كشمير. الغارات الجوية التي نفذتها الهند مؤخراً ليست مجرد رد فعل أمني، بل تمثل تحوّلاً استراتيجياً له عواقب تتجاوز الميدان العسكري، لتصل إلى قلب الاقتصاد الباكستاني المتعب.
يبدو أن نيودلهي قررت استخدام أدوات القوة الناعمة والصلبة معاً، حيث لم تكتفِ بالقصف الجوي، بل عمدت إلى ضرب باكستان في أكثر النقاط حساسية: مواردها المالية ومياهها الحيوية. من تعليق التعاون في اتفاقية مياه السند، إلى مساعٍ لإقناع مؤسسات التمويل الدولية بإعادة النظر في منح القروض لباكستان، تتحرك الهند بثقة لتقييد خصمها اقتصادياً، في لحظة لم تعد فيها باكستان تملك ترف الصمود الطويل.
فالبلد الخارج لتوّه من أزمة تضخم خانقة بلغت 38٪، والذي كاد أن يعلن إفلاسه قبل عامين، لم يتعافَ بعد بالشكل الكافي ليخوض معركة استنزاف مع ثاني أكبر اقتصاد في آسيا. صحيح أن معدلات التضخم انخفضت، والأسواق بدأت تلملم خسائرها، لكن الصدمة التي أحدثتها الغارات الأخيرة—والتي أطاحت بسوق الأسهم بنسبة 6٪ في ساعات—تؤكد أن الثقة ما زالت هشة، وأن رأس المال جبان، كما يقول المثل.
الأخطر من التصعيد العسكري هو ما قد يتبعه من إعادة توجيه للإنفاق الحكومي نحو الدفاع على حساب قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، التي لم تتعافَ بعد من أزمات السنوات الماضية. فكل صاروخ يُطلق، وكل مناورة عسكرية تُنفّذ، تُترجم عملياً إلى مستشفيات غير مجهزة ومدارس دون دعم ومشاريع تنموية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
لا أحد ينكر أن كشمير تمثل قضية وطنية حساسة لدى الطرفين، لكن هل باكستان في موقع يمكنها فيه تحمّل تبعات صراع مفتوح؟ وهل من الحكمة أن تتكرر أخطاء الماضي في إدارة النزاعات، بينما تحت الرماد نار اجتماعية واقتصادية يمكن أن تشتعل في أية لحظة؟
القيادة الباكستانية أمام مفترق طرق حقيقي لتجنّب البلاد كارثة اقتصادية جديدة، أو أن تنساق وراء لغة الرد والرد المقابل، فالثمن قد يكون تدمير الاقتصاد واستنزاف شعب بأكمله.
&nb